لفترة طويلة، كان الاعتقاد السائد أن المال يُصنع من العمل المباشر: ساعات أطول، مجهود أكبر، إنتاج أعلى. هذا المنطق كان صحيحًا نسبيًا في الاقتصاد التقليدي، لكنه لم يعد يعكس الواقع الرقمي الذي نعيشه اليوم. في السنوات الأخيرة، وخصوصًا مع توسّع المنصات الرقمية، ظهر نموذج اقتصادي جديد قلب هذه القاعدة رأسًا على عقب: اقتصاد الانتباه.
في هذا النموذج، لم يعد السؤال الأساسي: ماذا تعمل؟بل أصبح: من يملك انتباه الناس؟ وكم دقيقة يقضونها معك؟
هذا التحول يفسّر ظاهرة محيّرة يلاحظها كثيرون: أشخاص لا يعملون لساعات طويلة يحققون دخلًا مرتفعًا، بينما محترفون مهرة يبذلون جهدًا كبيرًا دون نتائج مالية تذكر. لفهم السبب الحقيقي، يجب أولًا فهم كيف يعمل اقتصاد الانتباه، ولماذا أصبح العنصر الأكثر قيمة في الإنترنت.
ما هو اقتصاد الانتباه؟
اقتصاد الانتباه هو نظام اقتصادي غير رسمي يقوم على فكرة بسيطة لكنها عميقة: انتباه الإنسان مورد محدود، وكل جهة تتنافس للسيطرة عليه.
المنصات الرقمية، صناع المحتوى، الشركات، وحتى الأفراد، جميعهم يتنافسون على نفس الشيء: وقتك وتركيزك.
في هذا السياق، لم يعد المحتوى هو السلعة الحقيقية، بل الانتباه الذي يجذبه هذا المحتوى. لذلك، فإن القيمة لا تُقاس بجودة العمل فقط، بل بقدرته على الاستحواذ على انتباه المستخدم، وإبقائه أطول فترة ممكنة داخل المنصة.
هذا ما يفسّر لماذا تكافئ الخوارزميات المحتوى الذي يُشاهَد أكثر، وليس المحتوى الأفضل بالضرورة.
هذا ما يفسّر لماذا تكافئ الخوارزميات المحتوى الذي يُشاهَد أكثر، وليس المحتوى الأفضل بالضرورة.
كيف تغيّر مفهوم الكسب من الإنترنت؟
في بدايات الإنترنت، كان الكسب الرقمي يعتمد على تقديم خدمة واضحة أو بيع منتج مباشر. لكن مع توسّع الشبكات الاجتماعية ومنصات المحتوى، تغيّر النموذج تدريجيًا.
اليوم، هناك مرحلة غير مرئية تسبق أي ربح: مرحلة جذب الانتباه. من دونها، لا قيمة للمهارة ولا للمنتج ولا حتى للخبرة.
لهذا السبب، نرى مدونات ممتازة لا تحقق دخلًا، بينما حسابات سطحية تحصد ملايين المشاهدات. المسألة لا تتعلق دائمًا بالمحتوى، بل بمدى توافقه مع منطق اقتصاد الانتباه.
وهنا تظهر الفجوة بين من يفهم هذا النظام ومن يظل يعمل بعقلية قديمة داخل بيئة جديدة.
لماذا لا يكسب معظم الناس رغم وفرة الفرص؟
يعتقد كثيرون أن المشكلة تكمن في نقص الفرص أو تشبّع السوق، لكن الواقع مختلف. المشكلة الأساسية أن معظم الناس ينتجون دون امتلاك قناة انتباه خاصة بهم.
العمل داخل الإنترنت دون فهم اقتصاد الانتباه يشبه فتح متجر في شارع لا يمر فيه أحد. قد يكون المنتج ممتازًا، لكن من سيراه؟
كذلك، يعتمد كثيرون على منصات لا يملكون السيطرة عليها. يبنون محتواهم بالكامل داخل شبكة اجتماعية واحدة، ثم يتفاجؤون بانخفاض الوصول أو تغيّر الخوارزميات. في هذه الحالة، يكونون قد عملوا لصالح المنصة أكثر مما عملوا لأنفسهم.
وهذا ما يجعل الكسب غير مستقر، ومتقلّب، ومجهد نفسيًا.
الانتباه كأصل رقمي
في الاقتصاد التقليدي، الأصول هي العقارات أو المصانع أو رأس المال. في الاقتصاد الرقمي، الانتباه أصل لا يقل قيمة.
من يملك جمهورًا حقيقيًا، أو بريدًا إلكترونيًا نشطًا، أو زوارًا دائمين لموقعه، يمتلك أصلًا يمكن تحويله إلى دخل بطرق متعددة. أما من يعمل دون بناء هذا الأصل، فيظل في حلقة مفرغة من المحاولات غير المستقرة.
وهنا تظهر أهمية إنشاء منصات مستقلة، مثل المواقع والمدونات، بدل الاعتماد الكامل على الشبكات الاجتماعية. وهذا يتقاطع مع ما ناقشناه سابقًا في مقال العمل الرقمي في 2025 حول الاستدامة مقابل الدخل السريع.
لماذا يربح صانع محتوى أكثر من خبير تقني؟
قد يبدو هذا السؤال صادمًا، لكنه يعكس منطق اقتصاد الانتباه بدقة.
الخبير التقني غالبًا يملك مهارة عالية، لكنه لا يملك جمهورًا.أما صانع المحتوى، فيملك جمهورًا حتى لو كانت مهاراته التقنية محدودة.
السوق لا يكافئ المعرفة المجردة، بل القدرة على إيصالها وجذب الانتباه إليها. لذلك، فإن من يفهم كيف يُقدّم نفسه ويُبنى حوله اهتمام مستمر، تكون فرصه المالية أعلى على المدى الطويل.
هذا لا يعني أن المهارة غير مهمة، بل يعني أن المهارة دون انتباه تظل غير مرئية.
الجانب النفسي لاقتصاد الانتباه
اقتصاد الانتباه لا يؤثر فقط على المال، بل على النفس أيضًا.العمل داخل هذا النظام يخلق ضغطًا دائمًا للبقاء حاضرًا، للنشر المستمر، ولتحقيق تفاعل أعلى. كثير من العاملين أونلاين يشعرون بالإرهاق رغم أنهم “أحرار”.
هذا الإرهاق ناتج عن ربط الدخل بردود فعل فورية: مشاهدات، إعجابات، نقرات. ومع الوقت، يصبح التركيز على الأرقام أكثر من القيمة، ما يؤدي إلى فقدان المعنى.
ولهذا، فإن من ينجح فعليًا هو من يفصل بين بناء الأصل طويل الأمد (مثل الموقع أو العلامة الشخصية) وبين تقلبات الانتباه اللحظية.
هل يمكن استغلال اقتصاد الانتباه بوعي؟
نعم، لكن بشرط الفهم العميق.الاستغلال الواعي لا يعني التلاعب أو السطحية، بل تقديم محتوى حقيقي بطريقة تحترم وقت القارئ، وتبني علاقة طويلة الأمد.
المواقع التي تعتمد على التحليل، مثل مدونتك، تملك فرصة قوية هنا، لأنها لا تنافس على الترفيه السريع، بل على الانتباه العميق. وهذا النوع من الانتباه أقل عددًا، لكنه أكثر قيمة وأكثر استقرارًا.
ولهذا السبب، المحتوى التحليلي الطويل غالبًا ما يكون أكثر قبولًا لدى AdSense، لأنه يجذب زوارًا جادين ويبقيهم وقتًا أطول داخل الموقع.
مستقبل الكسب من الإنترنت في ظل اقتصاد الانتباه
مع تطور الذكاء الاصطناعي وتسارع المحتوى، سيصبح الانتباه أندر وأغلى. المنافسة لن تكون على من ينتج أكثر، بل على من يفهم جمهوره أكثر.
الناجون في هذا النظام لن يكونوا الأكثر ضجيجًا، بل الأكثر وعيًا بكيفية بناء علاقة مستمرة مع القارئ أو المستخدم. وهذا يعيدنا إلى فكرة محورية: المال لا يُصنع من العمل فقط، بل من الثقة والانتباه معًا.
وقد ناقشنا سابقًا لماذا يفشل معظم الناس في الكسب من الإنترنت رغم كثرة الفرص المتاحة.
الخلاصة
اقتصاد الانتباه ليس ظاهرة عابرة، بل هو الإطار الحقيقي الذي يعمل داخله الإنترنت اليوم. من يفهمه، يغيّر طريقته في العمل والكسب. ومن يتجاهله، يظل يعمل بجهد كبير مقابل نتائج محدودة.
العمل لم يعد كافيًا وحده، والمهارة لم تعد ضمانًا. ما يصنع الفرق هو القدرة على جذب الانتباه، والحفاظ عليه، وتحويله إلى علاقة طويلة الأمد قائمة على القيمة.
في النهاية، السؤال لم يعد: كيف أعمل أكثر؟
بل: كيف أبني انتباهًا يدوم؟
الأسئلة الشائعة
لا، بل يعني تقديم الجودة بطريقة يفهمها الجمهور ويتفاعل معها.
نعم، والمدونات التحليلية تحديدًا تملك ميزة قوية في بناء انتباه طويل الأمد.
لأنها تعتمد على موجات انتباه مؤقتة دون بناء أصل رقمي حقيقي.
ليس بالضرورة، لكنه أصبح واقعًا لا يمكن تجاهله لمن يعمل عبر الإنترنت.


